ابن خلكان

81

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

المناقب والرأي البصير بالعواقب مرّ السياسة ، لا يساغ كأسه ، ولا يؤمن بحال سطوته وبأسه ، يقابل زلة القدم ، بإراقة الدم ، لا يذكر العفو عند الغضب ؛ فما زال على هذا الخلق حتى استوحشت النفوس منه ، وانقلبت القلوب عنه ، فأجمع أعيان عسكره على خلعه ونزع الأيدي عن طاعته ، فوافق هذا التدبير منهم غيبته عن جرجان إلى المعسكر « 1 » ببعض القلاع ، فلم يشعر بهذا التدبير لذلك ولم يحسّ بهم إلا وقد قصدوه وأرادوا قبضه ، ونهبوا أمواله وخيله ، فحامى عنه من كان في صحبته من خواصه ، فرجعوا إلى جرجان وملكوها ، وبعثوا إلى ولده أبي منصور منوجهر ، وهو بطبرستان ، يستحثونه على الوصول إليهم لعقد البيعة له ، فأسرع في الحضور ، فلما وصل إليهم أجمعوا على طاعته إن خلع أباه ، فلم يسعه في تلك الحال إلا المداراة والإجابة خوفا على خروج الملك عن بيتهم . ولما رأى الأمير قابوس صورة الحال توجّه إلى ناحية بسطام بمن معه من الخواص لينتظر ما يستقر عليه الأمر ، فلما سمع الخارجون عليه انحيازه إلى تلك الجهة حملوا ولده منوجهر على قصده وإزعاجه من مكانه ، فسار معهم مضطرا ، فلما وصل إلى أبيه اجتمع به وتباكيا وتشاكيا ، وعرض الولد نفسه أن يكون حجابا بينه وبين أعاديه ، ولو ذهبت نفسه فيه ، ورأى الوالد أن ذلك لا يجدي ، وأنه أحق بالملك من بعده ، وسلم خاتم المملكة إليه ، واستوصاه خيرا بنفسه ما دام في قيد الحياة ، واتفقا على أن يكون في بعض القلاع إلى أن يأتيه أجله ، فانتقل إلى تلك القلعة . وشرع الولد في الإحسان إلى الجيش ، وهم لا يطمئنون خشية قيام الوالد ، ولم يزالوا حتى قتل ، وذلك في سنة ثلاث وأربعمائة ، ودفن بظاهر جرجان ، رحمه اللّه تعالى ، وقيل إنه لما حبس في القلعة منع من الغطاء والدثار ، وكان البرد شديدا فمات من ذلك . والجيلي : بكسر الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام ، هذه النسبة إلى جيل ، وهو اسم رجل كان أخا ديلم ، وقد نسب إلى كل واحد منهما . وهذه النسبة غير نسبة الجيلي إلى الإقليم الذي وراء طبرستان ، فليعلم ذلك ، فقد يقع

--> ( 1 ) ر بر : العسكر . 6 - 4